محمد بن عبد الله الصفار
84
رحلة الصفار إلى فرنسا
وهل يبدوا أو يدنوا محياك بعد ما * تلاطمت الأمواج ويجمع الشمل ؟ « 1 » وتضاعفت آلام الصفار من جراء الفراق بخوفه من هول البحر . فالرحلة عبر البحر تفوق كثيرا مستوى المجهول ، بل هي مغازلة صريحة للموت . وهنا أيضا ، فإن هذا الشعور نموذجي متبادل بين الناس ، لأنه غالبا ما يخشى المسافر في أعماقه أن يموت بعيدا عن موطنه الأصلي . كما تكون مرحلة العودة مشحونة أيضا بالصعوبات . فعند الرجوع إلى الأمور المعتادة ، يجد المسافر نفسه مشدودا بين تناقضات مشاعره الوجدانية . إذ لا تعني العودة إلى البيت مجرد التمكن من تجديد الصلة بالأحبة لطول الشوق إليهم ، بل تعني أيضا الرجوع إلى القيود والالتزامات التي تفرضها عليه الحياة اليومية ، وأن يترك من ورائه ذلك الطابع السحري العجيب المميز للرحلة « 2 » . وإذا كانت رحلة الصفار لا تحتوي على أي وصف لظروف العودة إلى البلد ، فإنها تتضمن تعبيرا شعوريا عميقا بلغ ذروته القصوى من السمو . فقد جاء في الصفحة الأخيرة من مخطوط الرحلة ، عندما ودع الصفار فرنسا هذا القول : « وأستغفر الله مما جنت يداي ، وأبصرت هناك عيناي من المناكر الشنيعة ، وسمعته أذناي من الإشراك والكفريات الفظيعة » « 3 » . وكانت الملاحظة عبارة عن خاتمة : إذ تضمنت اعترافا منه بأهمية الأشياء العجيبة التي شاهدها ، وتنكرا في الوقت نفسه لمعايشته إياها مدة من الزمن . وبذلك يتحرر الصفار من افتتانه بالتجربة المقدسة ، ويشرع في العودة إلى المألوف والمعتاد ، وهو واع بما يفعل . إن البنية الثلاثية للرحلة تجعلها ترتفع إلى مستوى « القصة الرمزية للحياة الإنسانية ذاتها » « 4 » . وكما هو الشأن في الحياة ، فقد تتخللها لحظات من البهجة والحبور ولحظات أخرى من التعاسة والأسى . وتعلقت بعض الأشياء التي شاهدها الصفار في فرنسا بأمور ذات صلة بالحياة المدنية . غير أنه كانت للكثير منها أيضا
--> ( 1 ) انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب . ( 2 ) Graburn , " Tourism " , p . 27 . ( 3 ) انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب . ( 4 ) Fussell , Abroad , p . 209 .